دولة المؤسسات .. وموقع السودان

صورة

الناظر لكثير من الدول المتقدمة والدارس لوضعها يجد أنها دول راسخة جدا لا تهزها الازمات كثيرا ولا تتأثر سياساتها الداخلية كثيرا بفعل التغيير الديمقراطي الذي يحدث في قياداتها السياسية او التشريعية .. أحد أهم المسببات لمثل هذه الامور هي المؤسسية .

وفهم المؤسسية بصورة عامة يتلخص في عناصرها ال12 التي ذكرها دكتور طارق السويدان وهي وجود خطة استراتيجية وقيادة ومنهجية وادارة للاعضاء ووجود نظام ولوائح وتسويق وابداع وتدريب وتقنية وخدمة مميزة ومقر وادارة للمال .

تركز اي دولة تسعى للنهضة والتنمية على هذه العناصر فتجدها تضع خطة استراتيجية واضحة المعالم وقابلة للتنفيذ بواسطة متخصصين وقبل ذلك وجود قيادة حكيمة تدير الدولة بمنهجية واسلوب مناسب وادارة افراد الدولة ليتم استيعابهم في خدمة برنامج نهضة وبناء الدولة ووجود لوائح ونظم تضبط كل هذه العملية .. وكل ذلك يتم التسويق والترويج له ليصل الى الجميع ويشاركوا بأفكار ابداعية لا تقليدية .. تحتاج الدولة أيضا لتدريب كوادرها لتأهيلهم في مجالات مختلفة لتمكينهم من الادارة بكفاءة وفعالية مميزة ومواكبة للتقنيات الحديثة من خلال ادارة موارد الدولة لتحقيق الاهداف المرجوة.

وأهم المؤسسات في الدول هي السلطة التنفيذية وهي الحكومة التي تدير شئون الدولة في كل المجالات ، والهيئة التشريعية تقوم بالتشريع وتسن القوانين والنظم وتعمل كجهاز رقابي للسلطة التنفيذية ، والسلطة القضائية وهي التي تفصل وتحكم في النزاعات في الدولة .. وهناك المؤسسة الحامية للدولة وهي الجيش والامن و غالبا ما يخضعان للسلطة التنفيذية بحكم علاقة مؤسسية منضبطة وواضحة . وهناك الكثير من المؤسسات التي تحتاجها فعليا الدولة لتحقيق اهدافها في كافة المستويات .

الجميل في المؤسسية ان أي من عناصرها لو فقدت لفترة محدودة فان ذلك لا يؤثر على كيان الدولة حتى استعادة ذلك العنصر وذلك عمق الفكرة وما يميزها ايضا ان الدولة التي بها نظام مؤسسي قوي لا يعتمد عادة على افراد معينين ووجودهم فالدولة ستظل قوية وناهضة بوجود اي قادة لها لأنهم يكونون محكومين بنظام واضح .

في السودان نفتقد الى المؤسسية في كافة المستويات فلا خطط استراتيجية واضحة ولاقيادة حكيمة ولا ابداع ولا ادارة للموارد او الافراد .. وابسط مثال هو انشاء مؤسسة “مفوضية مكافحة الفساد” على الرغم من وجود قانوني “مكافحة الثراء الحرام” وقانون “من اين لك هذا” !! مما يعني انها انشئت باهداف سياسية بحتة .. نحن نعيش في دولة فاشلة بكل المقاييس فساد مستشري في كل البلد وحروب تأكل الكثير من ميزانية البلد وانعدام للمسؤولية السياسية على كافة الاصعدة .. لذلك فان اكثر فكرة ساذجة هي اعتبار ان اسقاط النظام الحاكم يعني حل كل هذه المشاكل التي لا ترتبط بوجوده بحسب وانما اصبحت متجذرة في الدولة ولابد من اقتلاعها ببناء مؤسسات فعالة واعادة هيكلة المؤسسات الموجودة لتفعيل دورها الحقيقي وينبغي أن تكون هذه الافكار موجودة في تصور كل طامح للتطور والتقدم في هذا البلد.

الانترنت .. من منظور آخر

صورة

أصبح في الاصطلاح عند البعض أن الانترنت يعني مواقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك ، تويتر ، وتس أب …) فكثير من الناس يدخل الفيس بوك مثلا ليدردش مع احد اصدقائه ومن ثم ينظر الى تحديثات الاخرين والصفحات المشترك فيها فيعجب بهذه ويعلق على الاخرى ثم يشكو من الملل الذي اصاب الفيس أو تويتر مؤخراً !!

لا يدرك الكثيرون أن الانترنت هو عالم آخر مليء بكل ما يتخيله الانسان من افكار يستطيع البعض به التحصل على وظيفة وآخر على قراءة كتب ثقافية عامة أو اكاديمية تسهل له الحصول على معلومة دون حاجة للغوص في اعماق الكتب .. يستخدمه البعض لنشر افكارهم ومواهبهم وتبادلها مع الاخرين ، ويمكن عن طريقه السفر والتأمل في عوالم أخرى والبعض يستخدمه للتسوق وهناك من يعتبره وسيلة لتعلم مهارات مختلفة في الحياة من علوم وحرف وفنون وطبخ ! ووسائل الترفيه فيه لا محدودة كما يستطيع البعض عن طريقه حل مشاكلهم والاجابة عن تساؤلاتهم المتنوعة.. وأشياء أخرى كثيرة لا حصر لها ولا يمكن لخيال انسان واحد ان يتخيلها وشعار “العالم بين يديك” هو بالضبط معنى الانترنت .
و هذه تجربتي مع “الانترنت والكتب” ..

أثناء الثانوي كنت محب جدا للاطلاع على الكتب غير الاكاديمية خصوصا مكتبة والدي الكبيرة التي كانت تضم المئات أو الآلاف من الكتب الدينية والأدبية والسياسية والعلمية .. كنت دائما أبدا الكتاب من حيث يعجبني وانهيه حيث يصيبني الملل أو حين يحلو لي كتاب آخر وتطور الأمر في الجامعة حيث ذهبت بعيدا عن بيتنا في الولاية التي كنا نعيش فيها فكنت اذهب للمكتبات الكبيرة ومعارض الكتاب محاولا تكوين مكتبي الخاصة وهنا اصبحت أحيانا اقرا الكتاب من بدايته حتى نهايته لأن الاحساس بالذنب الذي كان يصيبني عندما ابدا كتاب ولا اكمله كان متعباً ، بجانب ذلك كنت اعتمد على الانترنت كثيرا في قراءتي فكنت احاول استكشاف العالم من حولي من خلال ويكيبيديا ومراجعها الثقافات والاديان والافكار والعلوم .. التاريخ والسير الذاتية والمصطلحات .. لقد وجدت في قوقل ضالتي فأصبحت بدلا من قراءة كتاب به اكثر من 200 صفحة اشاهد فيديو في  نفس الموضوع مصورا ومنظما اكثر .. أو قراءة عدة مقالات عن نفس الموضوع لقد كان الامر ممتعا أكثر مما قبل .. تطور الأمر فوجدت ان هناك كثير من الكتب لديها مختصرات وملخصات تغني عن الحشو الكثير في داخلها فأصبحت هي الاخرى اتجاها آخر لي واكتشفت بالصدفة موقع goodreads.com  الذي يكتب فيه القاريء بعض الافكار عن الكتاب الذي قرأه فكنت دائما ما الجأ اليه لأقرأ آراء الناس المختلفة في الكتب ومحتواها .

إن الهدف الحقيقي من قراءة الكتب هو المقدرة على بناء التصورات ومناقشة الآخرين وتبادل الافكار والمعلومات واحيانا الترفيه وما دام هذا الامر يتحقق بطرق أفضل عن طريق الانترنت قلت في نفسي لما لا يكون هو الذي يحقق تلك الغايات بدلا عن القراءة المجردة للكتب فأصبحت أرى الانترنت منذ فترة بنظرة مختلفة تماما .

المسؤولية السياسية :الانفصال نهضة أم نكسة .. نموذجين

Image

قرأت عدد من مقالات تتحدث عن المسؤولية السياسية كتبها المهندس مجتبى عامر في صفحته على فيس بوك “تدوينات عن مستقبل السودان” والحقيقة أننا نفتقد هذا الأمر كثيرا وهو ممارسة السياسية بمسؤولية وتمثل هذه احدى المصائب الكبرى للسياسيين في بلادنا .

ماليزيا وسنغافورة الانفصال :

نسبة الصينيين في ماليزيا تصل 40% بعد هجرة الكثيرين اليها كعمالة وتطور الامر ليصبحوا كأنهم أصحاب البلد .. الغالبية المسلمة في ماليزيا أصبحت مهددة وخصوصا في مجال الادارة والحكم .. تخلصت ماليزيا من سنغافورة باعتبارها كتلة تضم نسبة كبيرة جدا من الصينيين في 1965 وللانفصال اسباب معقدة أخرى أغلبها عرقية .

سنغافورة وماليزيا بعد الانفصال :

بالنسبة لسنغافورة :كان المجتمع يفتقر لأبسط أبجديات التطور ولم يكن لأحد أن يتخيل سنغافورة في 1960 هي نفسها في 2013 فوجد رئيس الوزراء وقتها “لي كوان يو الذي استمر ل31عاما وسلم السلطة لابنه بعدها” في كارثة حقيقية بلد بلا موارد تقريبا ومنفصلة حديثا فعمل على توحيد الجميع تحت راية سنغافورة ثم غرس عدة مفاهيم من خلال قوانين صارمة طبقت على الكل وقضى بذلك على الفساد وسهل من امكانية فتح منافذ التجارة فجعل ذلك منها جاذبة للاستثمارات الاجنبية التي ساعدت كثيرا في نهضتها وبعد أن أصبح وضع الاقتصاد جيدا تحولت الحكومة الى الكترونية ليكون التعامل اسهل واسرع بدلا عن انتظار الصفوف والتسويف الذي يحدث في المؤسسات الرسمية وطبق اصلاحات أخرى جعلت منها ما هي عليه الآن .

أما ماليزيا فوجدت مهاتير محمد الذي رسم خريطة لماليزيا بمساعدة المتخصصين لعشرة أعوام وهدد فيها الاهداف والأولويات .. فبدأ أجندته بالتعليم فخصص أكبر ميزانية له وأعلن خطته للشعب بشفافية ووضوح فجعل الشعب يشارك معه في مشاريع النهضة ومنها مشروع المليون شتلة لنخيل الزيت في قطاع الزراعة.. اهتم بالسياحة وحققت خطته أكثر من الطموح المرجو منها واهتم بالصناعة ليتدرج فيها من صغيرة حتى صارت ماليزيا دولة صناعية متقدمة .. وفتح الباب للاستثمارات الاجنبية والمحلية بتخفيضات كبيرة في الضرائب الامر الذي ساعد في حل مشاكل كالبطالة .. واستطاع أن ينقل ماليزيا نقلة حضارية ليترك السلطة في 2003 طواعية لقيادة جديدة .

Image

السودان وجنوب السودان الانفصال :

مجموعة مشاكل متجذرة أهمها المشكلة العرقية من قبل الاستقلال أدت الى اندلاع الحرب الاهلية التي استمرت لعدة عقود وقد أدت الادارة السيئة من الحكومات المتعاقبة لمضاعفة حجم المشكلة بدلا عن حلها .. وقعت اتفاقية بين حكومة المؤتمر الوطني والحركة الشعبية أشتملت على حق تقصير المصير الذي تم في 2011 ليأتي بنتيجة 99% لصالح الانفصال !

السودان وجنوب السودان بعد الانفصال :

بدلا عن تركيز كل حكومة فيما يحدث في بلدها دعمت كل من الحكومتين حركات التمرد في البلد الآخر ولم تنجح عدة اتفاقات وقعت لحل المشاكل الخلافية الناتجة عن الانفصال فأصبحت كل دولة تكيد للأخرى محاولة اسقاط الحكومة في رفيقتها ليكون نتيجة هذه المراهقة السياسية معاناة يشهدها المواطن في الجنوب والشمال بدرجات متفاوتة .
فلم يأبه قادة الشمال للانفصال الحتمي القادم ليتدرجوا في فك الاعتماد على بترول الجنوب حتى حدثت الكارثة

ولم يفكر قادة الجنوب في موارد أخرى غير النفط لينوعوا من مصادر اقتصادهم ويديروا أيضا ايرادات النفط ليستفيد منها المواطن الجنوبي بصورة فعلية .

تعليق :
– أنا بالطبع لا أقصد المقارنة البحتة وأدرك الفرق بين تجربة الانفصال في كلا الحالتين .
– لا أعتقد برأيي أن الانفصال يسبب مشكلة لأي بلد وانما تكمن المشكلة في أسلوب الادارة التي تتبعه الدولتين الوليدتين وسياساتها في ادارة مرحلة ما بعد الانفصال فالسر يمكن في المسؤولية السياسية للقيادة السياسية لكل دولة ورؤيتها الواضحة والعملية لمستقبل بلدها .

-أطمح لقيادة سياسية في كلا البلدين تنتبه للأمر وتركز في بلدها وتعمل على تطويره .

رأي في نظام الانقاذ” 24 عام ولا زال”

 صورة

جاءت الانقاذ بإنقلاب عسكري اسموه ثورة الإنقاذ الوطني والحقيقة ان تسمية الانقلاب بالثورة بدأت بانقلاب 52 في مصر وسار على نفس النهج نميري وسمى انقلابه بثورة مايو . وقد كانت الجبهة الاسلامية القومية الحزب المخطط للانقلاب مشاركة في حكومة الاحزاب فحسن الترابي زعيمها كان وزيرا للخارجية ونائب لرئيس الوزراء وقتها .

وقد تحدث العميد عمر البشير في بيانه الأول عن الديمقراطية المزيفة والفساد السياسي والتدهور الاقتصادي وقال بالنص : “وقد تحركت قواتكم المسلحة اليوم لإنقاذ بلادنا العزيزة من أيدي الخونة والمفسدين لا طمعا في مكاسب السلطةبل تلبية لنداء الواجب الوطني الأكبر في إيقاف التدهور المدمر ولصون الوحدة الوطنية في الفتنة والسياسة وتامين الوطن وانهيار كيانه وتمزق أرضه ومن اجل إبعاد المواطنين من الخوف والتشرد والجوع والشقاء و المرض”  واعتقد أنه لو قام أحدهم بتوزيع البيان الأول للإنقاذ في السوق لألقى الأمن القبض عليه!!!!!!! .

مشكلتي مع نظام الانقاذ لم يكن الانقلاب ومكوثهم في السلطة 24 عاما حتى اليوم وان كنت أدعو للديمقراطية .. ولا الديكتاتورية وقمع الحريات السياسية وان كنت اقدس الحرية دوما ولا أرى في الانفصال مشكلة فهو اختيار أصحاب الشأن بنسبة 99% تقريبا وأي منطقة تعطى حق تقرير المصير تختار الانفصال .. فالتاريخ يبين لنا نماذج دول حدث فيها انفصال ونهضت ، كما لا أرى مشكلة في فكرهم الاخواني أو الاسلام السياسي فتفكك الاتحاد السوفيتي وانهياره لا يعني انهيار الفكر الذي قام عليه أو أنه فاشل !! ، وانما لدى الانقاذ كوارث أخرى أهم وأفظع وهذه القضايا ليست الجوهر في الموضوع بحسب رؤيتي .

المشكلة الأساسية في نظام الانقاذ الفساد المالي والذي تفشى في الدولة كلها بصغار وكبار موظفيها ومختلف اجهزتها وسلطاتها .. والمشكلة أن الفساد المالي ليس نوعا واحدا فهناك الفساد المالي الذي يكشفه المراجع العام في تقريره وهناك الفساد الذي لا يمكن للمراجع أن يصل اليه بحجة أن هذه المؤسسة محصنة وذات سيادة وما أكثر ما سمعنا عن مثل هذه المؤسسات .. والنوع الأهم وهو المقنن وهو ببساطة كما عرفه صديقي “أن يكتب عن صحن الشطة في الفواتير الحكومية انه بي 100 أو200 جنيه !!” وعن زيارة الرئيس لاحدى الولايات لساعات التي تكلفها أكثر من 100 ألف جنيه بالجديد طبعا وهذه أمثلة لتوضيح الفكرة لا تبيين الحجم بالطبع ولو أراد أحدهم الحجم فليبحث عن مليارات النفط منذ انتاجه في 1998م . بالاضافة للفساد المالي يأتي اخوته كالفساد الاداري والاخلاقي والسياسي والمحسوبية.

زد الى ذلك استغلال الدين لأغراض سياسية .. فحرب الجنوب أضحت جهاد ! والشريعة التي كنا نظن أننا نعيشها طول الفترة السابقة نعيشها جاء رئيس البرلمان ليقول بعد الانفصال انه حان الان لتطبيق الشريعة بالنص ! كما أنهم يأمرون الناس بالبر والزهد والتقشف وينسون أنفسهم وهل يتلون الكتاب .

يرضخ المواطن السوداني – أحيانا دون وعي – لمجموعة من الجبايات والضرائب التي لا ترى لها أثر واضح في حياته اليومية . أضف الى ذلك مشاكل عدم تطبيق القوانين على الجميع ومشاكل تسليح المليشيات التي خلقت مشاكل أخرى تعجز الحكومة الآن عن حلها وعزل الاقاليم والتركيز على الخرطوم في الخدمات وخراب الاقتصاد و الدخل المنخفض .

والأهم في نظري عدم وجود خطة ورؤية استراتيجية لادارة البلاد فاعتمدوا منذ أن جاءوا على شعارات مثل “ناكل مما نزرع ونلبس مما نصنع” و”السودان سلة غذاء العالم ” ونحن الآن نستورد أبسط وأتفه المنتجات وبدلا عن الاهتمام بالتعليم والصحة وهما ركيزتا خدمة المواطن اهتموا بالأمن وتمويل الجيش ليؤمنوا بقاءهم أكثر في السلطة دون اكتراث لما آل اليه حال الصحة او وضع التعليم.

إن زوال نظام الانقاذ لا يمثل حلا سحريا لمشكلة وعودة الديمقراطية ما دمنا بهذا الوضع السياسي السيء من ضعف لسلطة ومعارضة سياسية ومسلحة وغياب (المشروع المنقذ والرؤى الجادة التي يحملها من شهد لهم الجميع بالنزاهة والكفاءة) فلن تمثل عودتها ولا زوال الانقاذ واستبداله بنظام يشبه ما جرب السودان من ديمقراطية ضعيفة حلا لمشكلة وقد ينادي البعض الجيش مرة أخرى للعودة للاستيلاء على السلطة بانقلاب جديد !.

طموح دستوري!!!

صورة

يعني شنو دستور ! الدستور اصلا كلمة فارسية بتعني النظام الاساسي دا من ناحية اللغة لكن هو وثيقة بين المواطنين في الدولة تحدد فيها حقوقهم وواجباتهم ونظام حكم بلدهم أحيانا بصورة تفصيلية وأحيانا بصورة عامة . والدستور مهم جدا لأي دولة لأنه بكون هو العقد الرابط بين الجميع في البلد وما المفروض أي فرد يخالفه . والأهم من وجود دستور يوافق عليه معظم الشعب باستفتاء عام أن يتم تطبيقه وأن لا يكون حبر على ورق .

في السودان من قبل الاستقلال الدساتير بدأت تنهال علينا منذ 1953 وبعدها 1956 ثم الاوامر العسكرية عند أول انقلاب عسكري 1958 وبعد أول ثورة شعبية كان دستور انتقالي في 1964 واول دستور دائم كان في 1973 في عهد نميري وبعد أن سقط نميري بثورة أبريل كان هناك دستور في 1985 تلاه دستور في عهد حكومة الانقاذ في 1998 وآخر دستور وهو انتقالي غير دائم كان في 2005 بعد اتفاقية نيفاشا وكان من المفترض أن تنتهي صلاحيته بنهاية الفترة الانتقالية في 2011 الا انه ما زال مستمرا حتى اليوم !

ثار الجدل مؤخرا حول الدستور لكنه سرعان ما خمد لا اعرف اذا كان عمدا أو أن رفع الدعم عن المحروقات طغى عليه وعلى اهتمام المسؤولين والاعلام ، الا ان عودة الجدل حوله تظل مسألة وقت كون الدستور الحالي يتضمن كثير من المواد التي تشير الى جنوب السودان بجانب انه أصلا كتب لجمهورية السودان بشمالها وجنوبها .

والمراقب للعالم من حولنا يرى اهتمامه بالشباب واشراكهم في الحكم وصناعة القرار ..يتساءل لما لا يقوم شباب السودان بقيادة مبادرات ايجابية  تبين للسياسيين الذين شابت رؤوسهم وعجزت أجسادهم وما زالوا يحكمون ويتبادلون المواقع أن شباب السودان ليسوا لاهثين وراء الموضة وفلفلة الشعر وسماع الاغاني الهابطة وتتبع صفحات المساطيل وانما يمكنهم ادارة هذه البلاد بصورة تجعلها في متطورة ومتقدمة  ليس نظريا وانما عمليا .. لما لا يقوم الشباب بمبادرة كتابة مقترح لدستور دائم للبلاد يشارك الجميع في كتابته فيقوموا بعمل صفحة لتلقي المقترحات فيها ويقوم مجموعة من طلبة وخريجو القانون بإدارة الأمر وصياغة مواده ؟ أين الصعوبة في الأمر ! لما لا نطمح أن يكون رأي الشباب هو السائد في هذه البلاد بعد أن جربنا آراء وأفعال الكهول عقودا من الزمن دون أن نرى تقدما او تطورا للبلد وبعكس ذلك تهوى البلاد كل يوم من درك الى درك أسفل منه والكل يرى ذلك !!.

أليس أجدر بنا أن نطمح وننفذ طموحنا لتكون لدينا رؤية عملية لرسم مستقبل هذه البلاد .. فلقد رضي من كان قبل 20 عاما بهذا الوضع الذي نحن فيه الآن وسنكون نحن مسؤولين عن ال20 عاما القادمة بما نقوم به اليوم . أوليس هذا طموحاً دستورياً !

سياسة الدعم للسلع .. وحال السودان

 صورة

 تلجأ الحكومات لما يسمى بسياسة الدعم بسبب ارتفاع اسعار السلع بالمقارنة مع قدرات المواطنين ودخولهم لشرائها ويكون الدعم عادة للسلع الاساسية التي تمس حياة المواطن بصورة مباشرة ولا يشمل الدعم نهائيا السلع التي تمثل رفاهية وكمالية في تلك الدول .

أبسط تعريف وتوضيح لفكرة الدعم هو قيام الحكومة من خلال خزانة الدولة بتسديد الفرق بين سعر التكلفة والسعر الذي تقدم به السلعة أو الخدمة المعينة للمواطنين وقد يكون الدعم مباشرا بتسديد الفرق بصورة مباشرة او غير مباشر عن طريق تخفيض الضرائب أو اعفاءها .

تعاني الدول عموما من عجز في الموازنة مما يعني زيادة المنصرفات مقابل الايرادات مما يضطر الحكومات للاستدانة من المؤسسات الخارجية أو الداخلية وهذا الدين بالتاكيد عليه فائدة والفائدة بتتضاعف مع العجز عن السداد وهكذا الدوامة مستمرة .. مما يدعو الحكومات للتفكير في المليارات التي تصرفها على الدعم باعتبار ان بنود الصرف الاخرى اساسية لا يمكن المساس بها فتحاول الحكومة تخفيض هذا الدعم حتى الغاءه والحقيقة تجد أنها مضطرة لذلك لأن المؤسسات التي تستدين منها تفرض هذا الشرط عليها لأن هذا يجعل للحكومة القدرة على تسديد ديونها بالفائدة خلال المدة المتفق عليها .

في السودان لجأت الحكومة لرفع الدعم الجزئي عن المحروقات بجانب اجراءات مرافقة كزيادة الضرائب والجمارك لتغطية العجز الكبير الذي واجه الموازنة بعد الانفصال حيث كانت الموازنة تعتمد بكل كبير على ايرادات نفط الجنوب .
لقد كان تبرير رفع الدعم عن المحروقات بأن الدعم يستفيد منه الاغنياء أكثر من الفقراء وقد تلا ذلك اجراء من وزارة الكهرباء بزيادة أسعار الكهرباء للذين يستهلكون الكهرباء بكميات كبيرة باعتبارهم اغنياء ثم تم الغائه بعد فترة قصيرة!

الحقيقة أن الحكومة لا تضع اعتبارا لعلاقة التأثير والتأثر بين الاغنياء والفقراء فلو زاد سعر الوقود والضرائب والجمارك مما يعني زيادة تكلفة الترحيل والانتاج وكل السلع تحتاج لترحيل  فهذا يضطر المصانع لزيادة اسعار السلعة وبالتالي يتأثر الفقراء من هذا الامر ، وقد وضعت اجراءات شكلية كمتاجر البيع المخفض مثلا كامتصاص للغضب ! ولم تعالج مشاكل المواصلات التي ازدادت تعرفتها الى الضعف الامر الذي يؤثر على المواطنين البسطاء بصورة مباشرة بالاضافة لذلك فالحكومة مترهلة جدا فنجد 28 وزارة اتحادية  و57 من وزير ووزير دولة كثير منها وزارات أسست لترضيات سياسية بحتة ولا داعي فعلي لها من غير مراعاة ما تصرفه تلك الوزارات من مبالغ ضخمة لتسيير أعمالها التي لا تؤثر ولا يعرف عنها المواطن العادي  بالاضافة لمخصصات الدستوريين والوزراء التي ان حدثك احد العالمين بها تذهل للأمر وقد صرح الرئيس في البرلمان ان كل الوزراء والدستوريين سيتم تخفيض سياراتهم الى واحدة فقط فهل تم تطبيق هذا !! بجانب عدد من من المستشارين والمساعدين الذي لا يعرف لهم دور واضح وتظهر من اسماءهم انهم جاءوا بسبب ترضيات سياسية وهذا كله بعد ما سمي اعلاميا باجراءات التقشف . ويمثل نسبة الصرف على الامن والجيش نسبة قدرها البعض بأنها لا تقل عن نصف الميزانية العامة للدولة ولا أمل يلوح في الافق عن تقليلها !

لقد  كان يمكن تدارك فكرة رفع الدعم اذا كانت الحكومة جادة في تطبيق اجراءات التقشف واعادة النظر في الصرف البذخي في كافة الاصعدة .كما كان يمكن تدارك فكرة العجز الكبير المفاجيء في ميزانية الدولة بسبب الانفصال لو كانت هناك ادارة رشيدة سعت منذ اتفاقية السلام في 2005 لتخفيض حجم اعتماد الميزانية على الموارد النفطية تدريجيا لكن للأسف لم نجد ذلك الا بعد أن وقع الفاس على الراس الذي يتحمله المواطن دائما  .

في رأيي لا يمثل الانفصال مشكلة أبدا ما دام حقا لأي أمة أرادت ذلك كما كان لنا وانفصلنا عن مصر بعد الاستقلال ولكن المشكلة تكمن في ادارة الادارة الرشيدة والمسؤولة التي تقود تلك المراحل الصعبة التي تمر بها مثل هذه البلاد ولنا في سنغافورة وانفصالها عن ماليزيا أسوة حسنة حيث تطور البلدين وبالتحديد سنغافورة حيث لم تكن تمتلك موارد تذكر ولم تتمتع حتى بنظام ديمقراطي تعددي فرئيسها حكم البلاد 31 سنة لينقلها الى التطور التي تشهده الآن واعطى الحكم لابنه من بعده دون حكم ملكي ووجدت ماليزيا قائدا حكيما قادها أيضا للتطور التي عليه اليوم فيما لا يزال قائدا البلدين في الشمال والجنوب المنفصلين حديثا يتبادلون الاتهامات والحروب التي وقودها المواطنين بصورة مباشرة او غير مباشرة .

البديل منو ؟! .. تساؤل مشروع ومفخخ !

صورة

كتبت في يوم 23 يونيو 2012 على موقع التواصل الاجتماعي تويتر تغريدتين بعد أن كانت الفكرة تدور في رأسي أثناء مشاركتي في مظاهرة في جامعتي :
“كنت اطمح قبل البدء في اجراءات الثورة أن يجيب الشباب على سؤالين مهمين جدا عشان لو نجحت الثورة دي ما يكون مصيرها زي اكتوبر وابريل”

“لماذا فشلت الحكومات الوطنية في ادارة شئون البلاد وتحقيق رفاهية الانسان منذ الاستقلال ؟؟ ”
وكيف حنقدر ندير المرحلة الجاية لو سقط النظام ؟

واليوم تذكرت التغريدين وأنا أرى ثورات الربيع العربي وأحاول أن أحلل ما وصلت إليه تلك البلدان وما جنت من ثوراتها مع تأكيدي على حقيقة أن سنتين فقط غير كافية للحكم على هذه الثورات ونجاحها .. لكن يمكن إجراء تقييم أولي للطريق الذي تسلكه والعرب يقولون “العاقل من اتعظ بغيره” .
تذكرت معها سؤال “البديل منو” وهو سؤال مشروع ولكن ارتباطه بمحاولة اضعاف الروح المعنوية للثوار وقتها جعلوه مذموما وكانت الاجابات عليه دوما عاطفية أكثر من كونها واقعية وكان اتهام من يحاول اثارة هذا السؤال بأنه امنجي أمر حتمي  خاصة أن صفحاتهم وسياسييهم كانوا يروجون لذات الفكرة وقتها .

تجدد السؤال مع بداية بروز حملة نفير بعد كارثة الامطار الاخيرة الى السطح والحقيقة لا يستطيع أحد أن ينكر دور نفير الواقعي والمعنوي في تجديد الثقة بالشباب ومقدرتهم على ما يسمى في العلوم بـ”إدارة الازمات” حيث استحدثوا نظاماً جديدا سيظل تجربة ممتازة لأي كارثة أخرى ان حدثت . بجانبهم نشطت فرق أخرى كالكشافة وغيرها .
والحقيقة ان نفير لم تكن الاولى كحركة اجتماعية ولكنها لاقت الرواج الاعلامي الاكبر حيث سبقتها منظمات مثل صدقات وشارع الحوادث وتعليم بلاحدود وهي كلها حركات تحاول احداث تغيير اجتماعي وادارتها شبابية وحركات سياسية كقرفنا والتغيير الآن.

نعم لدينا مجموعة كوادر شبابية مميزة جدا وقيادات بكافاءة عالية ولكننا للأسف نتحدث عن اسقاط النظام دون رؤية لما بعد اسقاط النظام ونحن ندرك تغلغل النظام في المجتمع (بين القيادات المجتمعية وليس الافراد) والولايات وان قطع الرأس أحيانا غير كافي كما ثبت في الثورات العربية .. البعض أيضا يتحدث عن وثيقة الفجر الجديد .. وعندما تقرأ الفجر الجديد  تجد أغلبها مجرد عناوين تمثل بصيغة أخرى نفس الشعارات التي جاء بها هذا النظام مثل شعار ” نلبس مما نصنع ونأكل مما نزرع ” وفيها أيضا حل وتفكيك لكل التشكيلات الأمنية والعسكرية القائمة مما يعني دوامة حرب أهلية حتمية في العاصمة وكل الولايات مما يعني تفاقم المشكلة وجعلها كارثة لا حلها!

لدينا أيضا معارضة يتفق الجميع بضعفها ومعظم قادتها – وقادة الجبهة الثورية أيضا – كانوا حكاما وقيادات سياسية في الدولة لكنهم لم ينفذوا شيئا مما ينادون به الآن وحتى لم يستقيلوا إن عجزوا فكانت الاستقالة تشفع لهم وتحسن من صورتهم .
فعليا وليس نظريا نحن نحتاج لرؤية عملية  وبرنامج واضح من متخصصين في كل المجالات وتنشر للجميع وشخصيات تقود تلك الرؤية والبرنامج وتروج له وهذا يمثل بديل حقيقي يمكن الاعتماد عليه واثباته للناس بدلا عن الكلمات العاطفية الجميلة للرد على السؤال أو سب كل يدعو لاثارته واتهامه بأنه مناصر للنظام وكوز ! .. حتى لا تأتي انتخابات 2014 ونقول انها مزورة حتى قبل أن تبدأ ونكون مكتوفي الأيدي الى ما شاء الله .
بعد أن كتبت هذه التدوينة وجدت هذا الفيديو :
مبادرة د/ أنور دفع الله عن “البديل منو ” كانت قبل عام من الآن (فيديو يوتيوب):
http://www.youtube.com/watch?v=89_HG5Sl8QY